شجعت التكنولوجيا على التفاعل بين مستخدميها في كافة أنحاء العالم تحت غطاء قرية عالمية موحدة؛ فوسائل الاتصال الالكتروني ساعدت على انكماش الكرة الأرضية وتقلصها على صعيد المكان والزمان. ووصلت شبكة الإنترنت إلى مختلف المجتمعات ناجحة في إسقاط الحدود بين الدول حتى صار الإنسان في عصر الثورة التكنولوجية يتواصل مع غيره في قارة أخرى يبعد عنه آلاف الأميال بكل سهولة ويسر، وبأقل التكاليف المادية دون أية قيود مفروضة.

في حين أن هذه الشبكة تعتبر سلاحاً بحدّين؛ فمن جهة قدمت للإنسانية بعدًا جديدًا ونقلة نوعية في سهولة المعاملات، ومن جهة أخرى أدت إلى ظهور أشكال جديدة وغير آمنة عند استخدامها، حيث ظهرت المواقع المسيئة المتسببة في تسمم الأفكار بين الناس مهددة الأخلاقيات العامة في ظل ارتكاب ما يسمى بالجرائم الإلكترونية، مثل التلاعب في الحسابات البنكية، واستدراج الأطفال إلى أماكن مجهولة لتحقيق أهداف دنيئة، والأهم من ذلك العزف على وتر المشاعر عند المراهقين والشباب من كلا الجنسين ضمن العلاقات الغرامية الوهمية، مما أدى إلى الغرق في مستنقع الابتزاز الالكتروني الذي بات وسيلة لكسب المال بأسلوب غير سوي.

حيث سهلت الشبكة العنكبوتية بوسائلها المتعددة والمتجددة التواصل بين مستخدميها، محولة المنازل التقليدية إلى أكواخ تكسحها التكنولوجيا من كل صوب.

وحتى نضع الأمور في نصابها، فإنه من نافلة القول أنّ الإنسانية مدينة للإنترنت ولما سهله علينا من عمليات الاتصال، والعمل المشترك، وتقاسم الموارد، واتخاذ القرارات، والسرعة في إنجاز الأعمال. لكنّ سعادتنا بهذه التكنولوجيا يجب ألا تُخفي عن أعيننا بعض التحديات الأخلاقية والاجتماعية التي حملتها لنا في ثناياها؛ فعلى الرغم من الآفاق الواسعة التي فتحتها لنا شبكة الانترنت من خلال صفحاتها التي أضحت كتابًا مفتوحًا للعالم، تبقى المشكلة كامنة في كيفية تبادل البيانات والمعلومات بشكل آمن عبر شبكة الويب وحمايتها من الاختراق والجريمة الإلكترونية، والتي باتت تشكل هاجسًا يؤرق المستخدمين ومزودي خدمات الانترنت على حدٍ سواء.

يُجمع الخبراء أن مفهوم أمن المعلومات بات حاجة ملحّة، تتنافس في توفيره الشركات العالمية، وهو يتمثل في توفير الحماية لضمان أمن البيانات، والمعلومات، والخصوصية الشخصية. كما يشمل حماية الملفات والعتاد من الناحيتين الفيزيائية والبرمجية؛ لأن الوسيلة التي يستقبل بها الناس معلوماتهم أهم من المعلومات نفسها. في حين تختلف طبيعة آثار البصمات التي يتركها الانترنت باختلاف المجتمع المعني، فالمجتمعات الغربية بشكل عام لا تُعنى بوضع أية قيود على مستخدمي شبكات الانترنت، لكن الأمر مختلف تمامًا إذا ما أخذناه في اعتبار المجتمعات المحافِظة التي ترغب في الإبقاء على هويتها الحضارية، والثقافية، وحمايتها من طغيان وسائل التكنولوجيا الحديثة. الأمر الذي فرض عليها تبني سياسة واضحة، ووضع خطط لمواجهة سلبيات أدوات الإنترنت بكل ما تملك من عزمٍ وقوة، وهو أمر ليس باليسير؛ لأنه يأتي على النقيض من إيجابيات الشبكة العنكبوتية التي لا مفر منها في الوقت الذي يصعب فيه التحكم بالطبيعة المفتوحة لهذه التكنولوجيا المعاصرة.

من هذا المنطلق ينبغي على المجتمع أن يجد الوسائل الكفيلة بحماية مُثله، وقيمه، وأخلاقه، من خلال تحصين ذاته. وهنا يأتي دور التوعية والتثقيف الذاتي للعامة، إضافة إلى فاعلية أصحاب الخبرة في هذا المجال، وغيرهم من القادرين على توفير السبل الواجب اتباعها للوصول إلى درجة الأمان اللازمة أمام هذا السيل الجارف من المعلومات الموجودة على الشبكة باختلاف أطوارها.

ولنأخذ على سبيل المثال، ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت آفاقًا لا حدود لها في التعامل بين الناس من خلال تسجيل البيانات الخاصة التي تُلزم مستخدميها بإدراج معلوماتهم الشخصية لإتمام عملية إنشاء حسابات عليها، بحجّة تأكيد سياسة الخصوصية - كالفيس بوك مثلاً - والذي لاقى العديد من التأثيرات السلبية جراء هذه الخطوة من خلال انتشار عمليات الاختراق والقرصنة، لحسابات الأشخاص والشركات العالمية، وغيرهم. ومن الجدير ذكره بما يخص المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي الذي يعتبر الحلقة الرئيسية في سلسلة العلاقة بالجمهور، فهو الفرصة الذهبية لمد جسور التواصل مع الآخرين عن طريق تقديم كل ما يلبي حاجاتهم أو يشبع رغبات معينة لديهم من خلال مزيج من الصوت والصورة والمقطع المرئي والتصميم الفني. بحيث تختلف هذه الوسائل بناءً على أهداف مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي التي تتنوع ما بين زيادة عدد المتابعين، والتسويق للذات أو لمنتج ما، وطرح قضايا تهم الرأي العام، أو غير ذلك.

وفي الوقت الذي يجد فيه الكثير من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي متعة في امتلاكهم لحسابات تضم أعدادًا كبيرة من الأصدقاء، لاعتقادهم أن هذا نوع من الهندسة الاجتماعية المتقدمة، متجاهلين الإصغاء جيدًا لنصائح الخبراء. فعدم إدراك معظم مستخدمي مواقع التواصل لخطر عمليات القرصنة والجرائم الإلكتورنية بسبب ثقتهم العمياء بسياسة الخصوصية الخاصة بهذه المواقع، وجهلهم بالعمليات البرمجية الالكترونية المعقدة التي تتطلبها عملية الاختراق، بات يستدعي منهم لزامًا فهم طرق تحقيق أمن المعلومات على الشبكة العنكبوتية في القرن الحادي والعشرين.

فهل سوف نبقى عالقين في عُرض بحر الانترنت بين الأمواج المتلاطمة دون الوصول إلى ميناء الأمان؟
 

المؤلفون

كلمات مفتاحية: التوعية الاعلامية الجريمة الإلكترونية الخصوصية مواقع التواصل الاجتماعي


عدد القراءات: 185