أطفالٌ يدمنون على استخدام الإنترنت دون وعي لمخاطره المتعدّدة وآثاره السلبية، وشبابٌ يمكثون على تطبيق الفيسبوك ساعاتٍ طوال دون أدنى فائدة، وفتياتٌ يلتقطن صورًا لمشاركتها عبر السناب تشات والإنستجرام بكثرةٍ مع وصفٍ دقيق لمكان وجودهنّ، وعائلة تقضي عطلتها في دولة مختلفة فتنشر كلّ ما يتعلق بذلك للجميع، لتشكّل كلّها مشاهد متنوّعة عرّضت أصحابها لمخاطر كثيرة، ما يجعل تطبيق المواطنة الرقمية ضرورة ملحّة في المجتمع.

وتعني المواطنة الرقمية مجموعة القواعد والضوابط المتبعة في الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا من ناحية توعية المجتمع بحقوقهم ومسؤولياتهم عند استخدام التقنيات الرقمية، وعدم إيذاء الآخرين بالسلوكيات غير الصحيحة، والإبلاغ عند تعرض الأشخاص للابتزاز والتهديد والتنمّر الإلكتروني والجريمة الإلكترونية، ونشر الوعي بالأخلاقيات الرقمية لمستخدمي الإنترنت.

معلومات خاصّة مجانيّة...

في زاوية بعيدة من ركن منزلٍ، يجلسُ طفلٌ في الرابعة عشر ربيعًا من عمره بانزواءٍ، ترى من بين ملامح وجهه اندماجًاً لا مثيل له، يدٌ تتكئ على الكرسيّ والأخرى تدقّ في هاتفه المتنقل بسرعة، يلتفت يمينًا ويسارًا وكأنّه يختلس النظر خوفًا من اقتراب أحدٍ منه، ثمّ يهاتِف صديقه قائلًا له: "أصبحت الصور والفيديوهات الإباحية عندك".

وعلى بُعد مسافة أخرى في مكان مختلف، تتفقدّ فتاةٌ حسابها على فيسبوك، تُعيد إدخال كلمة السرّ مرارًا دون جدوى، ثمّ ما تلبث دقائق حتى تصرخ: "لا أستطيع الدخول لحسابي، لقد سُرِق!"، وبعد ساعاتٍ قليلة تكون الصدمةُ بنشر صورها الخاصّة، ومشاركتها عبر حسابها على فيسبوك، إثر سرقته من شابّ كانت تظنّه فتاة بعد إضافته عبر حسابٍ وهميّ، احتال عليها وأرسل لها رابطًا لتُدخلَ عنوان بريدها الإلكتروني وكلمة المرور، ثمّ سرقه ليلهو بين رسائلها الخاصة ويتنقل بين المحادثات الشخصية ضمن ما يسمّى بالهاكر الذي يخترق الحسابات الخاصة ضمن ثغرات عدة.

وفي منطقة أخرى، توّجه شابّ برفقة عائلته في رحلة سياحية لمدّة أسبوعين خارج بلده، فكان ينشر كلّ ما يتعلق بهذه الرحلة عن طريق الفيديو المباشر بشكل عامّ في الفيسبوك، ليترك معلوماته الخاصة ومكان وجوده بشكل مجانيّ للجميع، فيعود ليجدَ منزله مسروقًا.

فيما لا يزال الاكتئاب الشديد يسيطر على الحالة النفسية لفتاةٍ بعد نشر صورها الخاصة في موقع إباحيّ، متبوعًا برقم هاتفها الخاص، وموقع سكنها، ومعلوماتها الشخصية والتي شاركتها بشكل عامّ عبر الفيسبوك لتكون ملاذًا سهلًا لصديقتها التي أرادت الانتقام منها.

وَطلبت إحداهنّ من زميلها في العمل إنشاء حساب لها عبر الفيسبوك، لتُصدم لاحقًا أنّه وضع رقم هاتفه الخاص لإعداد الحساب، ليتمكنّ من سرقة حسابها بعد فترة وجيزة.

أمّا في مدرسة ثانويّة، طالبٌ في سنّ الخامسة عشر من عمره، يخبّئ هاتفًا متنقلًا في حقيبته حين توجّهه للمدرسة، وبعد اكتشاف الأمر من معلّمه، وتوجهه للمرشد النفسيّ، اتضح إهمال عائلته بالعناية به، فوجد مواقع التواصل الاجتماعي بديلًا ليتعرّف على أشخاص أكبر منه عمرًا ويتعرض للتنمّر الإلكتروني الذي يعني استخدام الإنترنت والهواتف المتنقلة والألعاب لإلحاق الضرر بالأشخاص الآخرين.

هناك شابٌ آخر، بعد تعرّفه على فتاة عبر الفيسبوك، وإيهامه لها بحبّه حاول ابتزازها ماديًا، فأنشأ حسابًا عبر الإنستجرام يحمل اسمها وصورتها، ليتواصل مع أكبر عدد من الفتيات الأخريات حيث تعرض بعضهنّ للابتزاز أيضًا بعد موافقتهنّ على إضافته دون التأكد من حقيقة الحساب.

فيما عرضت إحدى الصفحات الفيسبوكية غير الموثّقة بِضاعة بسعر رخيص لشرائها إلكترونيًا، لتلفِت انتباه العديد الذين اتّصلوا بالرقم المُدرج لحجز البضاعة، والذي كان عبارة عن سرقة للرصيد كاملًا من هاتفهم.

وشكّلت النوافذ الإعلانية المنبثقة عن بعض المواقع الإلكترونية، والتي تظهر دون إذن المستخدم وتحتوي أحيانًا على مواد ضارة وغير لائقة، حالةً من الخطر في حَال تعَامل المستخدم معها، والتي تكون غالبًا عبارة عن سرقة للرصيد من الهاتف، أو الدخول إلى مواقع غير آمنة والتي تطلب معلومات عن البريد الإلكتروني للمستخدم وكلمة المرور.

الفيسبوك يتصدر النسبة الأعلى...

وفي استطلاع خاصّ بسيط نُفّذ على عيّنة عشوائية من طلبة جامعة فلسطين التقنية "خضوري"، في الفئة العمرية ما بين (18-22) للجنسين، تبيّن أنّ ما نسبته 51% من الطلبة يستخدمون الفيسبوك، منهم للتعبير عن أنفسهم، وطرح قضاياهم ومشكلاتهم، وبعضهم لمشاركة معلوماتهم الخاصة وصورهم بشكلٍ عامٍ للجميع، مع قضاء ما يقارب 6 ساعات يوميًا في التنقل بين منصات التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك والإنستجرام والسسنابشات.

أمّا حول مخاطر الاستخدام الخاطئ، فاتّضح من خلال إجاباتهم عدم وعي نسبة منهم بالمشكلات المتعددة حالَ مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية عبر مواقع التواصل الاجتماعي واصِفين إيّاها نوعًا من التسلية والترفيه، أو معرفة المخاطر وعدم الاكتراث بالنتائج لاحقًا التي ربما ستؤدي لتعرضهم للجريمة الإلكترونية.

فيما يتخّذ بعض من الطلبة الإجراءات اللازمة للحفاظ على خصوصيّتهم، وعدم نشر معلوماتهم بشكل عام للجميع أو حتى مع الأصدقاء خوفًا من التعرّض للسرقة، إضافة لعدم الدخول لحسابهم الشخصيّ من هاتف آخر لغيرهم أو جهاز حاسوبيّ ليس لهم.

وانتشر في الآونة الأخيرة تطبيق الإنستجرام والسنابشات خاصّة بين فئة المراهقين بكثرة، ما جعلهم ينشرون أصغر تفصيل بحياتهم من خلاله، مع تحديد مكان وجودهم، ويقضون فترات زمنية طويلة عليه يتبادلون الصور والفيديوهات الخاصة بهم، وأحيانًا مع أشخاص لا يعرفونهم على أرض الواقع فيعرّضهم لمخاطر عدّة.

لا تنشر خصوصيتك!

"توقف! هناك من يراقبك بأدق التفاصيل وينتهك حقوقك، لا تعبّر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتنشر معلوماتك، لا شيء يمكنك إخفاؤه فهو محفوظ بذاكرة التطبيق الرقمي، وحتى لا تُستغل في هذا الجانب من التكنولوجيا عليك أن تتثقّف وتكون حريصًا"، من منطلق هذه الكلمات، ونظرًا لزيادة عدد الحالات التي تتعرض للاختراق والمخاطر العديدة نتيجة سوء استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بأشكالها كافة، وعدم الوعي بالوسائل الآمنة والصحيحة، عَكفت الكثير من المؤسسات على توعية المواطنين من خلال حملات عدة، ومبادرات استهدفت فئات المجتمع كلها سواءً أكانت من خلال الجامعات أو المدارس أو الندوات الخاصة في أماكن مختلفة، لتوفير الحماية للضحايا الذي يتعرّضون للجرائم الإلكترونية.

كما تشير الإحصائيات حسب تقرير وسائل التواصل الاجتماعي والرقمي في فلسطين لعام 2017م، إلى أنّ نسبة استخدام الإنترنت في فلسطين بلغت 61%، ووصلت نسبة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 37%، ليحظى الفيسبوك بأعلى نسبة بينهم وتكون الفئة العمرية ما بين (15-29) الأكثر استخدامًا له، فيما تعاملت الشرطة الفلسطينية خلال العام ذاته مع ما يقارب 1600 جريمة إلكترونية، أنجزت منها نحو 900 قضية، وبلغت عدد حالات الانتحار 22 حالة.

ويحذّر خبراء الحماية الإلكترونية والوقاية من الجريمة الإلكترونية من نشر التفاصيل الخاصة عبر الإنترنت للمستخدمين مثل: تاريخ الميلاد بالكامل، ومكان السكن، ورقم الهاتف الشخصيّ، والحالة الاجتماعية، وتحديد مكان التواجد الحالي مع الصور، وتفاصيل العمل، والمخططات المستقبلية لقضاء الإجازات أو العطل لأنه يشكّل طريقًا لسارقي الحسابات للانتهاك والاختراق بشكل أسهل.

الأمان ضرورة...

ويضفي تطبيق الفيسبوك ميّزة لتأمين الحساب الخاص للشخص، مع ضرورة كتابة كلمة مرور قوية لا تحوي اسم الشخص أو معلومات عنه، ويتمّ تغييرها كلّ فترة لضمان الحماية أكثر، والانتباه لعدم تتّبع روابط من صفحات وهمية أو تلقي رسائل مضمونها يُوحي بالضغط على روابط أخرى لأنها تكون عبارة عن اختراقات، وعدم إضافة أشخاص غير معروفين في الحقيقة من أجل زيادة عدد الأصدقاء.

فيما يحوي موقع تويتر على مركز أمان، بإمكان الشخص معرفة طرق الحفاظ على الخصوصية، وتجنب المحتوى غير المرغوب فيه، والبقاء على الأمن والسلامة على تويتر وعلى شبكة الإنترنت بشكلٍ عام، حيث يعمل بطرية تثقيفيّة للتعرف على أفضل المُمَارسات عبر الإنترنت، بما في ذلك أدلّة وروابط لمميّزات عديدة مثل: طريقة تقديم البلاغات للشرطة عند التعرض للجريمة الإلكتروينة وللتهديد مِنْ أحد المستخدمين من خلال الرابط: safety.twitter.com

 

التوعية مهمة...

ويوضّح عدد كبير من الأخصائيّين التربويين والنفسيين من خلال دراساتهم المتعددة حول الموضوع، أهميّة مراقبة الآباء والأمهات لأبنائهم تحديدًا في مرحلة المراهقة، وتتبع طريقة نشرهم واستعمالهم لوسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الانشغال عنهم حتى لا يلجأوا للطرق الخاطئة في استخدام الإنترنت، ما يؤثر على سلوكهم وحالتهم النفسية لاحقًا مع ضرورة توعيتهم بالمخاطر المحتملة.

إضافة إلى ذلك، ينصح الأخصائيون بأهمية استثمار مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت بما يعود بالنفع على روّاده ومستخدميه من خلال المواقع الإلكترونية والتطبيقات الغنيّة بالمعلومات والتي تتزامن مع المناهج الدراسية والتعليمية للطلبة بطرق خلاقة ومفيدة، ومشاركة الأهل لأبنائهم والخروج من المنزل للابتعاد عن مصادر الإنترنت، والتعوّد على قراءة الكتب الورقية أو اللعب معهم في تدريباتٍ رياضية بعيدًا عن الألعاب الإلكترونية.

وتعقد الشرطة الفلسطينية في محافظات عدة ندوات متخصّصة في المدارس والجامعات حول موضوع الإنترنت والجرائم الإلكترونية لتوعية الطلبة تحديدًا بالمخاطر التي قد يتعرضون إليها وسبل الحماية منها.

فيما تقع مسؤولية كبيرة على وسائل الإعلام سواءً أكانت مقروءة أم مسموعة أم مرئية لتوعية أكبر شريحة ممكنة من المجتمع من خلال نشر أكبر قدر ممكن من التقارير الصحفية، والبرامج الإرشادية المتعلقة بطرح مواضيع عن مخاطر الإنترنت، وكيفيّة استخدامه بالطريقة الصحيحة عن طريق استضافة الأخصائيين للحديث بشكل مفصّل، ونشر الإعلانات التلفزيونية والإذاعية الهادفة بشكل مستمرٍ ومتواصل.

تطبيق ماهيّة المواطنة الرقمية، وتحديد الأصدقاء، وعدم إضافة الغرباء أو التعامل مع الحسابات الوهمية، وعدم نشر أيّة معلومات شخصية، والحفاظ على الخصوصية، والاهتمام باستثمار الإنترنت بالطريقة الصحيحة، والتوعية المستمرة من الأطراف كلّها، هي طرق ووسائل من شأنها أن تقلل من نسبة ضحايا الجرائم الإلكترونية والاختراق، وتحافظ على أمان الأشخاص وأمنِهم في الإنترنت.

 

المؤلفون

كلمات مفتاحية: الإدمان الجريمة الإلكترونية فيس بوك المواطنة الرقمية


عدد القراءات: 53